الرئيسية / بأقلام الرائدات / التاجر الصغير

التاجر الصغير

التاجر الصغير والطفولة الضائعة

أزقة ضيقة .. طرقات مزدحمة .. بضائع كثيرة ومتنوعة ..

و أناس , الصغير والكبير منهم .. هذا بائع , وذاك مشتري ..

وهذه حال كثير من أسواق مدينتنا الشامخة , وطننا الأبيّ

في إحدى هذه الأسواق .. وفي ذات مرة كنت أتجول كما يتجول الكثير من الناس , يبتاعون او يشترون وكل شيء في السوق لدى الناس مألوف.

 

أما أنا فكلما شاهدت طفلا بائعا .. طفلا تاجرا , أوقفتني قدماي , وحدقت به عيناي , و واساه قلبي , وعقلي جاشت به الأفكار ..

هل أتقدم اليه وأسأل عن كل ما جال بخاطري فأعرف كل تفاصيل حياته , ولماذا هو هنا ؟! و لكن , سرعان ماتراجعت فكم من التجار الصغار هم هنا , هذا صاحب بسطة , وذاك متجول ببضاعته , فواصلت الطريق متفرجة هنا وهناك , فلما انتهيت وهممت أن أعود أدرجي , وقفت عيناي على أحدهم يقف أمام بسطته الصغيرة فوقفت على غير بعيد منه , كان في العاشرة او الحادية عشرة لا يتجاوزهما .. راقبته باهتمام وهو يرتب حاجاته ويمسح الغبار عن بضاعته … مرت دقائق قليلة وأنا لازلت أراقبه لا أعرف هل إعجابا مني بما يصنع , أو شفقة عليه , أو مزيج بينهما ؟!

أجل فقد أختلج في صدري شفقة عليه , والما لأجله , وتساءلت في حزن “ماذا يحمل هذا البائع في قلبه الصغير ؟ هل يعول نفسه ؟ هل يعول اسرته ؟ هل له أم هل له أب وما الذي دفعه لئلا يكون بين اسرته في مثل هذا الصباح ,, او في مدرسته ,, او بين كتبه ,, او مع رفاقه يلهو ويلعب ؟ وهل هو ياترى راضٍ أو مكره على قطف زهور طفولته من حديقته الوديعة ؟!

نظرت اليه مرة اخرى كان صامتا مجدا ومتحمسا , ولكن الطفولة كانت تلفح وجهه .. والبراءة تملأ عينيه . وفجأة وإذا انا مع حديث مع نفسي , شاهدت رجلا يقف أمام بسطة الاخير يسأله عن بعض الأشياء , فبدءآ يتساومان , حينها وجدت نفسي أمام تاجر كبير ذو خبرة وتمرس يلين أحيانا مع زبونه ويشتد تارة , حتى يرضى الإثنان بالثمن او يفترقا. 

 يا للهول , أي عظماء اولئك الذين يولدون كبارا , أو يكبرون قبل الاوان ,, فبينما كدت اغادر المكان , إذا بصوت صغير كبير ينادي : ” محمد  .. محمد .. تاخرنا يا راجل عن المدرسة

كان تاجراً صغيراً متجولاً , يبدو انه صديقه , وتنبه الأخير صاحب البسظة الى ساعته مرتبكاً .. فقد حان وقت المدرسة وهو في غمار التجارة مشغول , فأسرع يلملم بضاعته المتواضعة على سرعة وعجل ,, ثم رأيته يحدث جاره التاجر الكبير , يبدو انه أستأمنه او استودعها عنده .. واستل حقيبته من بين أكوام البضاعة  , وهمّ راكضا بين الطرقات ويبدو انهما تشاورا حول شيء ما , فانعطفا الى طريق آخر … يبدو انهما إختارا اقصر الطرق المؤدية الى المدرسة راجيين أن يفلتا من العقاب الذي ينتظرهما إذا تأخرا .. وركض قلبي خلفهما داعيا لهما بالسلامة والتوفيق .

وقلت في نفسي : ” ايتها الطفولة المحرومة .. ايها الصغير الكبير , عسى الأيام القادمات ستنصفك , بل والله الذي هو أرحم من الأم بولدها سيكرمك , فارتقب واصطبر


بقلم : رشا سفيان العقاد